Saturday, 01 November 2014

Main Menu

Media Center

Contact Us

Facluty Services

A+ R A-

تحديات الوحدة الوطنية ومشكلات استفتاء جنوب السودان- حسن حامد مشيكة

تحديات الوحدة الوطنية ومشكلات استفتاء جنوب السودان

حسن حامد مشيكة[1]*

E-mail: This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

بسم الله الرحمن الرحيم

مستخلص:

خلال مسيرة العهد الوطني لم يبذل القادة السياسيون مجهودات كافيه لتمتين أركان الوحده الوطنيه في السودان، فالجنوب كانت تدور فيه حرب استمرت لأكثر من أربعة عقود من الزمان، مما زاد من تأخير التنمية الاقتصادية فيه وانعدام الخدمات الأساسية وفقدان الاستقرار السياسي. إن الاخفاق الذي صاحب حل مثل تلك القضايا الرئيسة جعل جدار الوحدة الوطنية متصدعاً، بينما كان لحكومة الانقاذ الوطني عبر مراحلها المختلفة مجهودات مقدرة في البحث عن الحلول الناجعة لمعالجة جرح الوحدة الوطنية المتقيئ. إن التشاكس بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ربما كان أحد اسباب عدم بذل المجهودات الكافية، منذ توقيع إتفاقية السلام في 2005م، لجعل الوحدة الوطنية خياراً جاذباً للجنوبيين. يمكن للمؤتمر الوطني- قبل حلول موعد الاستفتاء المزمع إجراؤه في مطلع يناير 2011م- بذل الجهود الجباره لإقناع الانفصاليين في الحركة الشعبية بل الذين يحق لهم التصويت بمضار الانفصال وأن مصلحة شعب جنوب السودان في الوحده التي تتطلب أيضاً تقوية وشائج الهوية الوطنية. بينما حقائق الواقع الماثل اليوم ترجح خيار الانفصال، وتنذر بتعقيد مشكلات ما بعد الاستفتاء، فهي مشكلات مستعصية ويكتنفها الغموض وما لم يعمل شريكي نيفاشا على حلها ربما يعود السودان إلى مربع الحرب مرة أخرى.

كلمات مفتاحية: السودان، الاستفتاء، الوحدة، الانفصال، جنوب السودان

مقدمة:

منذ قيام مؤتمر جوبا المشهود في العام 1947م كان الحديث يدور بين القادة السياسيين في الشمال والجنوب عن إمكانية تعزيز وحدة السودان أو البحث عن خيار آخر، وقد حسم قادة الجنوب خيار الوحده الوطنية بموافقتهم على تكوين جمعية تشريعية تضم أبناء الجنوب والشمال معاً. وشكل هذا التوافق قلقاً شديداً ومفاجأة غير ساره للسكرتير الإداري للسودان وقتذاك السير جيمس روبرتسون؛ الذي لم يكن يتوقع مثل هذا القرار والموقف الوحدوى لأبناء السودان، بل كان يأمل ضم الجنوب إلى المستعمرات البريطانية في شرق أفريقيا حسب الاستراتيجية والخطة السياسية التي كانت ترمي إليها بريطانيا.

خلال مسيرة العهد الوطني لم يبذل القادة السياسيون مجهودات كافيه لتمتين أركان الوحده الوطنيه، فالجنوب كانت تدور فيه حرب استمرت لأكثر من أربعة عقود من الزمان، مما زاد من تأخير التنمية الاقتصادية فيه وإنعدام الخدمات الأساسية وفقدان الاستقرار السياسي، بل الاتفاقيات التي كانت تبرمها الحكومات الوطنية - مثل إتفاقية أديس أبابا التي وقعت في مارس عام 1972م- لم يلتزم بها الساسه الشماليون؛ لتتجدد بذلك الحرب بين الشمال والجنوب مما أدى  لموت عشرات الآلاف من أبناء السودان. وبالرغم من أن قادة الشمال وعدوا نظرائهم في الجنوب بإعطاء الفيدرالية الإعتبار التام كنظام أمثل للحكم الإداري بعد تحقيق استقلال السودان؛ بيد أنهم لم يفوا بما وعدوا به، وكذلك البحث عن الدستور الدائم ظل هو الآخر عصياً على النخب السياسية السودانية بمختلف ألوان طيفها، فقد كان الصراع مستمراً حول علاقة الدين بالدولة، بل ظل محتداً بين الاسلاميين والعلمانيين، مما أخر امكانية التراضي والتوافق على دستور دائم يحكم بموجبه السودان.

إن الفشل الذي صاحب حل مثل تلك القضايا الرئيسة جعل جدار الوحدة الوطنية متصدعاً، بينما كان لحكومة الانقاذ الوطني عبر مراحلها المختلفة مجهودات مقدرة في البحث عن الحلول الناجعة لمعالجة جرح الوحدة الوطنية المتقيئ. فقد طبقت الانقاذ النظام الفيدرالي لحكم السودان، وهي بذلك تعتبرأول حكومه وطنيه تجرو على هذا الفعل، وكانت اتفاقية السلام الشامل التي وقعت بين حكومة السودان والحركة الشعبية في العام 2005م - وإن تباينت آراء القوى السياسية حولها بين مؤيد ومعارض- من الانجازات الكبيرة التي تحققت؛ بل تمثل علامة بارزة في الخارطة السياسية السودانية. فقد أوقفت هذه الاتفاقية الحرب بين الطرفين وأسست لسودان متجدد يتجه نحو التحول الديمقراطي وإتاحة الحريات العامه، وقننت النظام الفيدرالي والتوزيع العادل للسلطة والثروة بين جميع ولايات السودان وغير ذلك مما يقوي ركائز الوحدة الوطنية.

وفيما يختص بمصير جنوب السودان فقد أعطت هذه الاتفاقية أبناء الجنوب الحق وبحرية في الانحياز للوحدة أو الانفصال من خلال استفتائهم في مطلع العام 2011م، ولعل هذا هو أخطر بند في الاتفاقية لأنه يشكل مرحلة مفصلية سوف تحدد مصير الدولة السودانية، إما أن تبقى كدولة واحده أو تصبح دولتين. وفي ذات الوقت تضمنت الاتفاقية بنداً يتعلق بأن يعمل الطرفان الموقعان على الاتفاقية من أجل جعل الوحدة خياراً جاذباً.

هكذا ظلت قضية الوحدة الوطنية في السودان مدعومة نظرياً في إتفاقية السلام، بينما جوبهت بتحديات جمه بالنظر للظروف التاريخية ومعطيات الواقع السياسي المعقد الذي تعيشه الدولة السودانية اليوم؛ والمتمثل في المؤثرات السلبية الداخلية والخارجية في مسألة استفتاء جنوب السودان، و قضية دارفور، وغيرها. وبالتالي تبرز عدة تساؤلات تمثل الإجابة عنها - بإستخدام المنهج العلمي في الدراسة والتحليل الموضوعي- جزءً أصيلاً من مادة هذه الورقة. لما لم تعمل حكومة السودان والحركة الشعبية في الجنوب  بجدية منذ توقيع إتفاقية السلام الشامل لجعل الوحدة الوطنية خياراً جاذباً؟ أم أن أهل الجنوب سيختارون الانفصال لكونه الخيار الأفضل لهم في ظل الواقع المريرالذي يعيشونه وبخاصة في جنوب السودان؟ ماهي الآثار الاقتصادية التي تنجم عن عملية الاستفتاء، وماهي أبرز المخاطر السياسية وسلبيات خياري الوحدة والانفصال للجنوبيين ؟ وما هو مستقبل الدولة السودانية في حالة اختيار الجنوبيين للانفصال؟

تهدف هذه الورقة بالأساس لإبراز الآتي:

-          التحديات التي تواجه الوحدة الوطنية والمشكلات الأساسية التي تجابه عملية الاستفتاء المزمع إجراؤها، ودور الحكومة المنتخبه والقوى السياسية السودانية الأخرى في جعل الوحدة الوطنية جاذبة للجنوبيين.

-         إيضاح مواقف قوى الجوار الاقليمية - لا سيما المتاخمة للجنوب- والولايات المتحدة الأمريكية من الوحدة الوطنية السودانية بالنظر لعملية الاستفاء التي تعتبر آخر المستحقات الأساسية لإتفاقية السلام الشامل.

سوف نعتمد في هذه الورقة بالدراسة والتحليل على المنهج التاريخي والتحليلي بشكل أساسي بجانب المنهج الوصفي حسب مقتضى الحال.

تقوم هذه الورقة على الفرضيات التالية:

علو صوت الانفصاليين من قادة الحركة الشعبية وقطاع المثقفين الجنوبيين؛ وبعض القوى السياسيه الشمالية الداخليه سيؤثر وبقوة على موقف من يحِق لهم الاستفتاء من أبناء جنوب السودان في إختيار الانفصال بدلاً عن الوحده. إذا استطاعت الحكومة السودانية أن توضح بقدر كاف لأبناء السودان في الجنوب فوائد الوحدة الوطنية ومضار الانفصال، السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فإن فرصة إنحياز الجنوبيين - وبحرية- للوحدة الوطنية ستكون الأكبر. إن عدم دعم الولايات المتحدة لوحدة السودان بجانب تباين موقف دول الجوار السوداني من جهة الجنوب سيرجح خيار الانفصال مقابل الوحده.

خلفية تأريخية:

المطالبة بحق تقرير المصير خلال الحقب السياسية المختلفة في السودان

إن  حق تقرير المصير هو الحق المطلق للأمة للتعبير بحرية عن إرادتها ورغباتها في تقرير مصيرها وتحديد مستقبلها السياسي والاقتصادي. لم تبرز المطالبة بحق تقرير المصير لجنوب السودان منذ اندلاع الحرب الأهلية إلا في مؤتمر المائدة المستديرة في العام 1965م عندما طرحه حزب جبهة الجنوب،أي أن حق تقرير المصير ظهر في المسرح السياسي السوداني من الجنوبيين أنفسهم، وفي العام 1970م أصدرت حركة الأنانيا بياناها الأول الذي نادت فيه بضرورة تقرير المصير، ومن ثم نجح الرئيس نميري في التوصل إلى إتفاقية أديس أبابا في العام 1972م. وبالرغم من أن الاتفاقية قد منحت الاقليم الجنوبي حكماً ذاتياً واسع الصلاحيات أفضى إلى استقرار نسبي في الجنوب لكنها لم تسلم من  نقد بعض قادة الحركة لها؛ لكونها لم تتضمن تقرير المصير لجنوب السودان. وصارت بموجب إتفاقية أديس أبابا مديريات الجنوب الثلاث ( بحر الغزال، أعالي النيل ، والاستوائية) وحدة للحكم الذاتي للإقليم الجنوبي في إطار جمهورية السودان الديمقراطية، ولم يكن هنالك أي حديث عن تقرير المصير بعد توقيع هذه الاتفاقية بل كان الحديث دوماً عن الوحده. ولكن مع أن الاتفاقية قد أوقفت الحرب لمدة تقارب العشرة أعوام؛ لم تكتمل مسيرة السلام نسبة لإلغاء نميري للإتفاقية كلية في العام 1983م، وقد أدى هذا المسلك إلى هدم جسور الثقة بين أبناء الوطن الواحد.[2]

ومنذ أن ترأس العقيد الدكتور جون قرنق قيادة الحركة الشعبية في العام 1983م ظل ينادي بوحدة السودان، وواجه في سبيل ذلك تحديات جمة لاقناع رفاقه في الحركة الشعبية بهذا الهدف، لكنه ظل وحدوياً رغم الانشقاقات التي حدثت في حركته. فمجموعة الناصر التي انشقت عن الحركة الشعبية، والتي كان يتزعمها الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول أجاوين في عام 1991م، تعالت دعواتها لتقرير المصير، ودعت لأهمية العمل من أجل انفصال الجنوب واستقلاله، بسبب البون الشاسع بين المكونات الثقافية والاجتماعية والتنموية لكل من الجنوب والشمال، هذا فضلاً عن انعدام الثقة بين الطرفين، بل يضيف القادة المطالبون بفصل الجنوب عن الشمال بأن " الجيش الشعبي وغالبية المقاتلين فيه لم يتلقوا التدريب السياسي ليغيروا قناعاتهم من الاستمساك بالإنفصال بدلاً عن الوحدة، بل كانت أغاني الجيش الشعبي باللهجات المحلية تعبر عن الانفصال صراحة"[3]. وفي عام 1992م إتفق الدكتور على الحاج-  ممثل حكومة الانقاذ في المفاوضات حينئذٍ - مع الدكتور لام أكول في فرانكفورت على تقرير المصير الذي لم يجد استجابة من الحكومة، بل وجهت انتقادات شديده للدكتور على الحاج لكونه وقع وثيقه تتضمن تقرير المصير. ومن بعد اعترفت أحزاب المعارضة بمنح جنوب السودان حق تقرير المصير، وظهر ذلك بشكل جلي في مؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا في يونيوعام 1995م الذي أكد هذا الحق كمدخل اساسي لإنهاء الحرب في جنوب السودان.

الغريب في الأمر أن الحكومة التي استهجنت موافقة القوى الشماليه على حق تقرير المصير؛ عادت ووافقت هي عليه في مرحلة لاحقه، وهذا يعكس تذبذب المواقف السياسية وإنعدام ثبات الرؤية الاستراتيجية للقضايا المصيرية في السودان، فالأحزاب السياسية لا تقوى على أن تتمترس على مبادئها ومنطلقاتها الفكرية؛ ومواقفها السياسية البرغماتية تدلل على ذلك، فالمثال الذي أوردناه عن حكومة الإنقاذ ؛ ورفضها لمبدأ تقرير المصير والانتقادات الشديدة التي وجهتها للأحزاب التي أيدت ذلك؛ ثم تغيير موقفها وقبولها لتقرير المصير مع أربعة فصائل رئيسة من جنوب السودان؛ كما ورد في إتفاقية الخرطوم للسلام التي وقعت في أبريل 1998م، خير دليل على التناقض في المواقف وإنعدام ثبات الرؤية الاستراتيجية في بعض القضايا المصيرية. على أية حال؛ لقد جاء  في صلب الاتفاقية التي وقعتها حكومة الانقاذ مع الفصائل المتمرده في الجنوب ما يلي: " بعد نهاية الفتره الانتقاليه في الجنوب؛ قد يختار أبناء الجنوب أحد خيارين إما الوحدة أو الإنفصال".[4]

ما كان للسياسات المتأرجحة أن تتماهى لولا ظهورعوامل - ربما - جديدة في الساحة السياسية السودانية، منها تشرنق الحركة الشعبية، والضغط الإقليمي والدولي على الحكومة. فهي قد اعترفت بأن يمارس مواطنو جنوب السودان حق تقرير المصير في الاستفتاء؛ بل تم تضمينه في دستور السودان للعام 1998م. ولكن لم تلتزم الحكومة بإنفاذ كل ما تضمنته إتفاقية الخرطوم للسلام على أرض الواقع مما أدى إلى إنهيارالإتفاقية وتوسعت بذلك دائرة الحرب مرة أخرى.

وتضمن بروتوكول مشاكوس في العام 2002م إعطاء جنوب السودان الحق في تقرير المصير، ومن ثم جاء مخففاً بصيغة (الاستفتاء) عندما وقعت إتفاقية السلام الشامل في عام 2005م. ووافقت الحكومة هذه المره على حق تقرير المصير لجنوب السودان، بعد اشتراطها على الحركه الشعبيه تطبيق الشريعة الاسلامية  في شمال السودان الذي قبلت به الحركة مقابل الاقرار بذلك الحق.

هكذا يلاحظ أن حق تقرير المصير لجنوب السودان ظلت تنادي به معظم القوى السياسية الجنوبية بصوت خافت وإن تباينت مواقفها، حيث بدأ في الظهور على المسرح السياسي السوداني منذ مؤتمر المائدة المستديره؛ وصار يتبلور رويداً رويدا، لكنه لم يلق أية اعتراف يذكر. بل أخذ يتعمق بمرور الوقت حتى تم النص عليه بصورة أكثر وضوحاً في إتفاقية السلام الشامل في عام 2005م؛ التي صارت فيما بعد جزءً أصيلاً من الدستور الانتقالي السوداني. لقد أعطت تلك الإتفاقية تقرير المصير ضمانات دولية واضحة، تجعل من الصعوبة بمكان أن تنكص الحكومة السودانية عنه. وفي ذات الصدد فإننا نرى أن الموافقة على هذا الحق هي مسؤولية تاريخية للحكومة، وسيكون لها ما بعدها على مستقبل السودان السياسي حالما يختار أبناء الجنوب الانفصال بإرادتهم الحرة وتكوين دولتهم المستقلة.

اتفاقية السلام الشامل: بند الاستفتاء والتزامات شريكي الحكم

كما أوضحنا من قبل فإن إتفاقية السلام الشامل للعام 2005م تعتبر إنجازاً تاريخاً غير مسبوق في تاريخ السياسة السودانية الحديث، لما أحدثته من تغيير كبير في المشاركة الواسعة في السلطة والتوزيع العادل للثروة بين ولايات السودان المختلفة. وينتقد بعض علماء السياسة الاتفاقية لكونها كانت ثنائية بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، حيث لم تشرك بقية القوى السياسية الشمالية والجنوبية في مناقشة القضايا المصيرية التي تضمنتها الإتفاقية؛ منها قضية استفتاء جنوب السودان على سبيل المثال. عموماً لقد تضمن الدستور الانتقالي لجمهورية السودان في بابه السادس عشر- المادة: 219؛ حق تقرير المصير لجنوب السودان " يكون لمواطني جنوب السودان الحق في تقرير المصير من خلال الاستفتاء لتحديد وضعهم المستقبلي".[5] ووفقاً لذلك فإن الاستفتاء يجب أن يجرى بإشراف دولي لمواطني جنوب السودان، وبتنظيم من مفوضية استفتاء جنوب السودان تعاوناً مع الحكومة القومية وحكومة جنوب السودان.

وعندما أجاز المجلس الوطني السوداني قانون إستفتاء الجنوب في ديسمبر (2009)، أحدثت البنود التي حواها القانون خلافات كبيره وجدلاً كثيفاً بين نواب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بخاصة؛ بل بعض نواب القوى السياسية المشاركة في المجلس الوطني. وبموجب هذا القانون صار يمتلك حق التصويت أي مواطن جنوبي يتحدر من والدين ينتمي كلاهما أو أحدهما إلى أي مجموعة أصيلة في الجنوب، أو كانا مقيمين في جنوب السودان بصوره متواصلة منذ يناير 1956م، على أن يبلغ من العمر ثمانِ عشرة عاماً. وحدد القانون النسبة القانونية لقبول نتيجة الاستفتاء ب (50%+1) بشرط أن لا تقل نسبة المصوتين عن 60% من إجمالي المسجلين.[6] وبالتالي فإن شريكي الحكم في السودان (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) ملزمين بإجراء الاستفتاء وفق القانون وإتفاقية السلام الشامل في موعده؛ ومقيدين بقبول نتائجه. وإن أية محاولة لتعطيل هذا الاستحقاق من أي من الشريكين سوف يؤدي إلى اضطرابات سياسية لا يحمد عقباها، لكن من غير المتوقع أن يحدث تأخير لإنفاذ هذا الالتزام - ما دامت الأجواء مهيئة لإجراء الاستفتاء - ويعزز هذا الرأي تصريحات حكومة السودان- وبإستمرار- وعلى أعلى مستوياتها بأنها ماضية في إجراء الاستفتاء كما حدد له في الاتفاقية. وبالطبع وفي ذات الوقت من حق الشريكين أن يتفقا على تأجيل مواعيد الاستفتاء بالنظر إلى معطيات الواقع السياسي هذا إذا رأيا ضرورة إتاحة مزيد من الوقت لجعل الوحدة الوطنية جاذبة للجنوبيين وذلك بإنفاذ مزيد من المشروعات التنموية والخدمية في الجنوب الذي يعاني من مشكلات عديدة على أرض الواقع على كافة الأصعدة.

تحديات دعم الوحدة الوطنية السودانية

إختلف الباحثون عبر التاريخ حول تعريف الوحدة الوطنية، نتيجة لإختلاف الثقافات والبيئة الخارجية الدولية. فالوحدة الوطنية تعني وعي المحكومين جميعاً بإنتمائهم للأرض التي يعيشون عليها واتحادهم وارتباطهم بها. أما في الفكر السياسي المعاصر فتعني إتحاداً إختيارياً بين المجموعات التي تدرك أن وحدتها تكسبها نمواً زائداً، وميزات إقتصادية وسياسية؛ تعزز مكانتها العالمية.[7] بهذا المعنى كيف يمكن للحكومة المنتخبه والقوى السياسية الشمالية الأخرى تغليب خيار الوحده الوطنيه على خيار إنفصال جنوب السودان، من خلال لعب الأدوار المطلوبه.

دور المؤتمر الوطني

يحمَل بعض علماء السياسة حزب المؤتمر الوطني الحاكم المسؤولية الكبرى في ترجيح خيار الوحده بدلاً عن الانفصال، فالمحافظة على هوية السودان وحقوقه الاقتصادية والسياسية وغيرها من أوجب واجبات الحكومة الجديدة المنتخبه. والمؤتمر الوطني يحظى بنسبة كبيرة للغاية في أجهزة الحكم المختلفة، وهذا يعطيه القوة الكافية لإتخاذ ما يلزم من قرارات تحقق الأهداف المنشوده. وثمة أسئلة عديدة تطرح نفسها في هذا السياق: هل ما قدمه المؤتمر الوطني لجعل الوحدة الوطنية جاذبه للجنوبين كان معقولاً، أم أن ذلك كان يتطلب الاتفاق على برنامج مشترك مع الحركة الشعبية لإنفاذه في الجنوب لتقديم الخدمات الأساسية وتحقيق التنمية المفقوده، ما هي المشروعات التي نفذها المؤتمر الوطني حتى الآن في الجنوب، وهل هي كافية لترجيح خيار الوحده؟ ما المطلوب من المؤتمر الوطني عمله لجعل الوحدة الوطنية جاذبة فيما تبقي من زمن لقيام الاستفتاء؟

إن ما قدمه حزب المؤتمر الوطني لجنوب السودان من مشروعات تنموية منذ توقيع إتفاقية السلام الشامل لدعم الوحدة الوطنية - برأينا-  لم تكن كافية خلال فترة الخمس سنوات المنصرمه تقريباً، فلم تتجاوز قيمة المشروعات التي نفذتها حكومة الوحدة الوطنية بعد توقيع الاتفاقية أربعمائة مليون جنيه فقط "نفذت حكومة الوحدة الوطنية مشروعات في جنوب السودان بقيمة أربعمائة مليون جنيه، وسننفذ المزيد من المشروعات خلال الفتره المقبله قبل الاستفتاء" لدعم الوحدة الوطنية.[8] وهذه الفترة - وإن إفترضنا هنالك عقبات قد وضعت من جانب الحركة الشعبية - كانت كفيلة بإنجاز مزيد من المشروعات الخدمية في الجنوب لخلق واقع أفضل بعد إنتهاء الحرب التي ارهقت كاهل المواطن الجنوبي وجعلته يعيش في حالة أقل ما يقال عنها أنها مأساة حقيقه.

وعلى كلٍ، فإن أداء المؤتمر الوطني في جنوب السودان خلال الفترة الفائته - بغرض دعم الوحدة الوطنية - لم يكن بالمستوى المطلوب بل كان بحق أداءً متواضعاً ولا يعكس قدرات المؤتمر الوطني في بناء وحدة السودان، وهنا يبرز سؤال مهم هل المؤتمر الوطني بالفعل منحاز لخيار الوحده بقوه؟ ليس من السهل الإجابة عن مثل هذا التساؤل؛ ما لم نقم بإجراء التحليل العلمي لبعض الجوانب المهمة المتصلة بقضية الوحدة. فعلى سبيل المثال لم يعمل المؤتمر الوطني على إسكات المجموعة الشماليه التي انتهجت خط الانفصال بإيصال صوتها لأبناء الجنوب وبقوة، بل لم يعمل على خلق ودعم تيار وحدوي يعلو صوته على كل أصوات الانفصاليين. كما أن الحزب توارى عن جنوب السودان وتركه للحركة الشعبية تفعل فيه ما تشاء. فلربما هنالك أسباب أخرى حتمت على المؤتمر الوطني إتخاذ مثل هذا الموقف، أبرزها عدم وفاء المانحيين من المجتمع الدولي بما التزموا به لإعمار الجنوب، مما حال دون تنفيذ المشروعات الكبرى؛ وقد وصفت قيادات المؤتمر الوطني أن ما قدمه المانحون من جملة ما التزموا به كان مخيباً للآمال، ولكن في الواقع كان للمانحيين تبريراتهم في عدم الوفاء بوعودهم أبرزها التشاكس بين شريكي نيفاشا (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، فهذا الوضع بالتأكيد له انعكاساته السلبية غير المحفزه للجنوبيين في الانحياز لصالح الوحدة الوطنية.

ما يهم في الأمر، إن الحكومة المنتخبة إذا أرادات أن ترجح خيار الوحده فيما تبقى من وقت للاستفتاء (6 أشهر تقريباً) فإن مهمتها مع غيرها من القوى السياسية وبخاصة الحركة الشعبية ستكون صعبة للغايه ولكنها ليست مستحيلة. ومن هنا فلا بد للحكومة وعلى رأسها المؤتمر الوطني من إختراق قيادات الحركة الشعبية في الجنوب - بحكم سيطرة الحركة التامة عليه -  والتحاور معهم من أجل إقناعهم بأهمية الوحدة الوطنية، وأن مصلحة الجنوب في الوحدة لعوامل إقتصادية وسياسية وأمنية.

ومع مراعاة الظروف التاريخية، فإن وفد شمال السودان - قبل ست عقود من الزمان- برئاسة القاضي محمد صالح الشنقيطي قد تمكن من إقناع وفد جنوب السودان في مؤتمر جوبا في الانحياز لصالح الوحده، حدث ذلك في العام 1947م كما تحدثنا سابقاً. وبالتالي فيمكن للمؤتمر الوطني بذل الجهود الجباره لإقناع الانفصاليين في الحركة الشعبية بمضار الانفصال وأن مصلحة شعب جنوب السودان في الوحده التي تتطلب أيضاً تقوية وشائج الهوية الوطنية، وعليه لا بد من التوافق على مشروعات خدميه وتنموية عاجله تنفذ في جنوب السودان، مثل إنشاء مزيد من المراكز الصحيه وتوفير الخدمات العلاجية والوقائية مجاناً؛ وتوفير المياه الصالحة للشرب، وتقديم إعانات مالية للفقراء والمحتاجين وللطلاب الجنوبيين في الجامعات الشمالية، وإنشاء وحدات سكنية بالجنوب، وحث سلاطين القبائل الجنوبية على العمل وبفاعلية لخيار الوحدة وغير ذلك." إن مشكلة تقسيم السلطة حلت بموجب إتفاقية السلام، أما مشكلة التنمية مازالت تحتاج لعمل كثيف، وإنفصال الجنوب سيؤدي إلى تقسيمه إلى ثلاث مجموعات قبليه، ومسألة تقرير المصير تحتاج أن يتم شرحها للمواطن الجنوبي البسيط لأن غالبية الجنوبيين لا يعرفون معنى الإنفصال ومضاره. وهنالك تسعة أحزاب جنوبية تطالب بوحدة السودان".[9] كما يجب أن لا تفرض هوية دينية أو ثقافية على الجنوبيين وأن يحترم الجميع عقائد وهويات بعضهم بعضا في إطار الوحده.[10] فنسيج الوحدة التراكمي لم يتآكل ويتضاءل بعد، لكنه أصابه التراخي ويحتاج  لدور أكبر من المؤتمر الوطني من أجل أن يصير أكثر ترابطاً وتناسقاً وجاذبية للشماليين والجنوبيين معاً، ويمكن أن يحدث ذلك بالتأثير على الانفصاليين وتغيير قناعاتهم للإيمان بالوحدة وتناسي الغبن الاجتماعي والمرارات التي تولدت عبر التاريخ - والتي كان فاعلها الأساسي المستعمر- لفتح صفحة جديدة للانطلاق نحو التنمية المتوازنه والتطور في سودان واحد عملاق يسع جميع أبنائه بإمكاناته المادية الهائلة وخصائصه البشرية المتفرده.

دور الحركة الشعبية

منذ تأسيسها في العام 1983م ما فتئت الحركة الشعبية تدعو إلى وحدة السودان في ظل التعقيدات التي صاحبت مسيرتها العسكرية والسياسيه. وفي تطورات لاحقه بعد أن حدثت انشقاقات عديدة في صفوفها وظهور تيارات جديدة؛ أصبحت المناداة بحق تقرير مصير جنوب السودان هي الأعلى. وترى التيارات الانفصالية في الحركة منذ نهاية التسعينيات أنه لا مجال لوحدة السودان طالما لم تتغير توجهات حكومة الانقاذ وأن " الجهود يجب أن تنصب تجاه تحرير الجنوب، ورفض هؤلاء شعارات الحركة الشعبية الداعية للوحدة مع الشمال وتحرير كل الهامش السوداني، وأن الهامش السوداني الذي تسعى الحركة الشعبية لتحريره لا يدرك مصلحته وأنه هو نفسه يقاتل الجنوب بصورة أكثر ضراوة".[11]

وكان بالطبع لهذا التحول - وبخاصة بعد موت جون قرنق - تأثير كبير على التيار العام في الحركة الشعبية اليوم حيث تمسك بخيار الانفصال أكثر من ذي قبل، بل خلق موت جون قرنق فراغ قيادي في الحركة الشعبية.  وبناءً على ذلك بدأت تعمل قيادات الحركة الشعبية على تسويق الانفصال - وما زال قليلون مع الوحده - بل لم تعد هذه القيادات متحمسة لفكرة جعل الوحدة جاذبة مما حال دون التوصل لبرنامج تنفيذي طموح مع المؤتمرالوطني لتحقيق هذا الهدف المحوري خلال الخمس سنوات المنصرمة بعد توقيع الاتفاقية.[12] بل في الواقع صرحت قيادات من الحركة الشعبية أكثر من مرة بأن أهل الجنوب سيختارون الإنفصال وأن الوحدة الوطنية صارت مستحليه. ويتحامل قادة الحركة كثيراً على المؤتمر الوطني  متهمينه بالفشل في جعل الوحدة جاذبة للجنوبيين، بل "يرى الجنوبيون أن الحزب الحاكم في السودان فشل في جعل الوحدة جاذبة لهم". [13]وهذا مؤشراً وكأنما معظم قيادات الحركة تدعو للوحدة لكنها تضمر الانفصال، وبعبارة أخرى كأنما موقف الحركة الشعبية تكتيكي وليس هنالك قناعة بالوحده، ذلك لأنه إذا كان هنالك إلتزام وقناعة بالوحدة فإنها لن تهتز أصلاً.

إن الحركة الشعبيه ولطالما تسيطر الآن على حكم جنوب السودان فإن مسؤوليتها لا تقل عن نظيرها المؤتمر الوطني في الشمال تجاه المحافظة على وحدة السودان. وهي - لا شك - يجب أن تستشعر هذه المسؤولية التاريخية أكثر من ذي قبل، فما تبقى من زمن لإجراء الاستفتاء لا يسمح بأي مناورات سياسية أو تكتكية مع الحكومة المنتخبه، ولا ريب في أن مصلحة شعب جنوب السودان بل شعب الشمال كذلك في الوحدة وليس الانفصال، لأن في بقاء السودان موحداً الموارد الطبيعية والمعدنية كافية للاستفادة منها في نهضة السودان وتقدمه؛ وفي حالة الانفصال سوف تضعف كلا الدولتين وهذا يعود بمردود سلبي على شعبهما مثلاً تصدير بترول الجنوب كيف يتم؟. إن المنفذ الوحيد لتصدير بترول الجنوب هو الشمال، وأن إنشاء خط سكه حديد لتصديره عبر ميناء ممبسا الكيني فيه مخاطر أمنيه ويحتاج لفترة زمنيه لا تقل عن ثلاث سنوات على الأقل  للتصدير، ولهذا ليس بمقدور حكومة الجنوب أن تستغني عن الشمال في ترحيل بترول الجنوب إلى ميناء بورتسودان. وبالنظر إلى وضع الجنوب الذي يفتقد لمقومات الدولة بدرجة كبيره، فإن حث الجنوبيين في التصويت لصالح الانفصال فيه مغامره كبيره، وإن تلقت الحركة وعود من بعض القوى الدوليه لدعم خيار الإنفصال" المسؤولون الأمريكيون وسفراء الدول الكبرى في مجلس الأمن وعدوا بالإعتراف الفوري بدولة الجنوب في حالة إختيار الجنوبيين للإنفصال". [14]

وعلى كل، ففي حالة الانفصال ستظهر مليشيات من مجموعات قبلية ستقاتل الحركة بضراوة  بالإضافة لما هو حادث اليوم في ولاية جونقلي التي تفجر فيها الصراع القبلي بعد خسارة أطور- القيادي بالحركة الشعبية - في الانتخابات المنصرمة، وانشقاقه عن الحركة.  إن مثل هذا العنف القبلي وغيره من أسباب الصراع في جنوب السودان؛ سيدخل الحركة الشعبية في حالة - إنفصال الجنوب عن الشمال - في إمتحان عصيب ليس بمقدورها أن تجتازه بسهوله دون تقديم تضحيات غالية. وبالتالي فإن الحركة الشعبية ستواجه تحديات عديدة أبرزها عدم الاستقرار السياسي في نظام الحكم بالجنوب الذي ستتولد منه مشكلات عديدة ومستعصية، الأمر الذي يجعل مستقبل الدوله الوليدة قاتماً وليس باعثاً على الأمل. ومن هنا يظل خيار الوحده هو المخرج الأفضل لشعب جنوب السودان الذي عانى كثيراً ولمدة نصف قرن تقريباً من الحرب التي أرهقت كاهله وجعلته يفتقد إلى أبسط المقومات الأساسية للحياة.

دور القوى السياسية السودانية

إن مسألة الاستفتاء تمثل تحدي عظيم يواجه سودان اليوم ولا يمكن التعويل على المؤتمر الوطني والحركة الشعبية فقط في التصدى لهذا التحدي الكبير، بل كذلك على القوى السياسية السودانية أن تواجه تحدي استفتاء جنوب السودان وتتحمل مسؤوليتها الوطنية التاريخية واضعة السودان نصب أعينها بعيداً عن النظرة الحزبية الضيقة لكي لا تتولد أزمة جديده للسودان. صحيح أن القوى السياسة السودانية تختلف نظرتها تجاه دعم الوحده أو الوقوف بجانب الانفصال، فهي قد همشت من جانب المؤتمر الوطني ولم تعطى أي مساحة معقوله للمشاركة في إتفاقية السلام الشامل، وبالتالي فمن المنطق أن لا تتحمل مسؤولية تنفيذ إتفاقية لم تكن هي طرف فيها. وفي ذات الوقت أن معظم الأحزاب الشمالية السودانية قد باركت إتفاقية السلام الشامل على مستوى قياداتها العليا    كالحزب الاتحادي الديمقراطي، ولكن ولطالما أن الاستفتاء يتعلق بمصير السودان فهذا لا يعفيها في أن تقف متفرجة على المسرح السياسي؛ وتغض الطرف عما  سيؤول إليه وضع السودان حتى موعد الاستفتاء. ومن هنا فلا بد من تحديد مواقفها السياسية من الوحدة أو الإنفصال. وفي ذات الوقت على شريكي نيفاشا أن لا يضيقا المساحات للتحرك الايجابي للقوي السياسية في الشمال وبخاصة في الجنوب للمساهمة في شرح معنى الاستفتاء والتعريف بمضار الانفصال للمواطن الجنوبي البسيط، الذي إذا تم تعريفه بأهمية الوحدة الوطنية ومحاسنها, فإنه من المرجح أن يصوت في الاستفتاء القادم لصالحها دعماً لتقويتها وليس للانفصال. وبهذا فإن على  الحركة الشعبية أن لا تصادر حق الأحزاب الجنوبية ودورها في الفعل السياسي من خلال إتاحة الحريات لها لكي تلعب دورها السياسي في إطار واجبها الوطني وسط ابناء الجنوب في التبشير بأهمية الوحدة الوطنية وفوائدها الكبيره للجنوبيين والشماليين معاً.

الدور الإقليمي والدولي في دعم وحدة السودان

في هذا المحور وفيما يتصل بالدور الاقليمي سوف نركز على الدور المصري نسبة لأهميته الكبيره لشمال السودان؛ بالإضافة لتركيزنا على دور دول جور الجوار الأفريقي المتاخمة لجنوب السودان، أما بالنسبة للدور الدولي سوف نبرز دور الولايات المتحدة الأمريكية نسبة لإهتمامها الكبير بإتفاقية السلام الشامل ومآلات الاستفتاء، ولنرى من خلال هذه الأدوار الاقليمية والدولية كيف يمكن دعم الوحدة الوطنية السودانية.

الدور المصري

إن العلاقة بين مصر والسودان علاقه استراتيجية، أوجدها النيل الذي يمثل شريان الحياة الخالد بين البلدين، بجانب عوامل أخرى كثيرة مشتركة. فمنذ البداية أعلنت مصر صراحة بأنها ضد الانفصال ومع بقاء وحدة السودان لأسباب استراتيجية وأمنية لكنها في ذات الوقت لم تدعم وحدة السودان بمساعدات كافيه " نجد أن مصر رغم موقفها واضح ورددته كثيراً، إلا أنها من الناحية العملية لم تساعد السودان في موضوع الوحده".[15] ولكن بعد ظهور مؤشرات دوليه كبرى تدعم إنفصال الجنوب عن الشمال - كما أسلفنا - فإن مصر بدأت تتراجع عن ما ظلت تعلنه صراحة من دعم لوحدة السودان بالقول" إن مصر تتعامل مع الاستفتاء كما هو، وهي حريصة أن تحتفظ بعلاقات جيدة مع جميع القوى السياسية في الشمال والجنوب" بل زادت على أن الانفصال لا يشكل خطورة على أمن مصر المائي" لأن 85% من المياه تأتي إلى مصر من النيل الأزرق بينما 15% تأتي من النيل الأبيض وروافده".[16] فهذه بالتأكيد رؤية قاصرة إذا أن أمن مصر لا يقتصر على المياه فقط - رغم أهميتها - بل هنالك جوانب أخرى متشابكة مع السودان تحتم بقاء العلاقة قوية ومتينه بين مصر والسودان الموحد، وإذا كان هنالك من مبرر لإتخاذ مصر مثل هذا الموقف الوسطي فإن هنالك ربما معرفة من مصر بأن بند فصل جنوب السودان عن شماله قد صار مدعوماً من جانب دول كبرى ليس في مقدور مصر والسودان الوقوف ضده لتغليب خيار الوحدة عليه، مما أدى لإتخاذ مصر لهذا الموقف الوسطي حتى لا تخسر علاقتها مع الدوله الوليدة في الجنوب.

إن عدم الإلمام التام بحقائق الواقع السوداني تجعل الرؤية قاصرة تجاه الوصول إلى إنفصال سلمي وسلس، إن المساعدة المطلوبة في المرحلة المتبقية للاستفاء هى أن تلعب مصر دوراً محورياً على الصعيد الدولي والاقليمي وذلك بإعلانها صراحة أنها مع وحدة السودان للأسباب الموضوعية المعروفة وفي ذات الوقت تحذر الجنوبيين ودول الجوار الاقليمي من مضار الانفصال الذي إذا حدث فإنه لن يقتصر على السودان فحسب، أو هكذا نعتقد، فمصر الأقدر على استخدام ثقلها السياسي وآلتها الاعلامية لدعم خط الوحدة الوطنية السودانية.

دور دول الجوار الأفريقي:

إن دول الجوار الأفريقي محكومة بمعايير المصلحة الخاصة، ولكنها في ذات الوقت تتخوف من استفتاء يؤدي لإنفصال الجنوب السوداني، فمثلاً ( نيجيريا، أثيوبيا، تشاد، وأفريقيا الوسطى) ضد الانفصال، ذلك لأن لهذه الدول مشاكلها التي تشابه مشاكل الدولة السودانية. بينما تتحمس يوغندا لدعم فصل الجنوب عن الشمال لأن في ذلك مصلحة خاصة تؤدي إلى إنتعاش تجارتها، وأن الروابط التاريخية بين القبائل المتداخلة ربما دفعت يوغندا لهذا الخيار. وقد جرت محاولة فاشلة من بريطانيا لضم الجنوب إلى يوغندا أو إلى المستعمرات البريطانية شرق أفريقيا قبل أكثر من ست عقود من الزمان؛ أي  منذ العهد الانجليزي المصري في السودان.

وعلى كل، فإن أدوار دول الجوار متباينة بحسب مصلحة كل قطر من الانفصال أو الوحدة، ولا نتوقع أن تلعب هذه الدول أي دور يذكر في دعم وحدة السودان رغم تخوفها من سريان عدوى إنفصال الجنوب عن الشمال إليها، فهذه الدول مقيدة بأجندات خارجية نسبة لظروفها الاقتصادية والسياسية المعروفة، وبالتالي فإنه من المتوقع أن يستمر دورها السالب في دعم الوحدة الوطنية السودانية؛ وما تبقى من زمن للاستفتاء لا يسمح بتغيير مواقف هذه الدول للعب دور إيجابي.

الدور الأمريكي:

إن الولايات المتحدة الأمريكية هي أقوى دولة في العالم ولها مصالحها الخاصة في السودان، وما زالت تدرس كل الخيارات بشأن كيفية مساندة جنوب السودان إذا إختار الانفصال في المستقبل القريب، علماً " بأن الحكومة الأمريكية لا تتحدث بصوت واحدٍ وذلك لتنوع إتجاهات الأفراد، كما توجد وسائل ضغط مختلفة نتج عنها أن بعض المجموعات تجعل موقف الحكومة الأمريكية مع الإنفصال ومجموعات أخرى تجعل موقفها مع الوحدة".[17] ومن غير المأمول في ظل الظروف الراهنة أن تلعب أمريكا دوراً إيجابياً لدعم وحدة السودان، بل الراجح أن مصلحتها في تفتيت السودان الموحد للإستفادة من خيراته الموجودة في باطن الأرض لا سيما البترول الذي يوجد بكميات كبيره في الجنوب.

إن عملية الاستفتاء ذاتها ربما لا تتم بسلاسة بين الشمال والجنوب، ومن هنا فإن الولايات المتحدة يجب أن تلعب دوراً مهماً في جعل الاستفتاء سلساً، خاصة وأن حقائق الواقع على الأرض ترجح الاحتمال الأكبر لإنفصال الجنوب في حالة بقاء الأوضاع على ما هي عليه الآن.[18]

مآلات الاستفاء وقضايا ما بعده

عندما يحين موعد الاستفتاء على تقرير المصير في يناير 2011م وما لم تتاح الفرصة للأحزاب الجنوبية التي تؤمن بالوحده بتبصير أهل الجنوب بأهمية الوحدة وسلبيات الإنفصال فالراجح أن يصوت الجنوبيين بأغلبية كبيرة لمصلحة الانفصال، ذلك لأن دلائل الواقع تشير إلى التعويل على مثل هذا الخيار. وقد صرح بهذا كبار القياديين في الحركة الشعبية أكثر من مرة " إن مسألة إنفصال الجنوب عن الشمال مسالة وقت وإن صرح سلفاكير بأهمية وحدة السودان" بل وإن تحدثت بعض قيادات الحركة عن أهمية الوحده بطريقة خجولة. وفي ضوء هذا من الأهمية بمكان مناقشة مآلات الاستفتاء، وسيناريوهات ما بعد الإنفصال.

إن قانون الاستفتاء حدد عشر قضايا سماها بقضايا ما بعد الاستفتاء، فهي قضايا يكتنفها شئ من الغموض ولا يمكن تحديدها بشكل دقيق إلا بعد حدوث الاستفتاء وتقرير المصير.[19]

تتمثل هذه القضايا في : الجنسية، العملة، الخدمة العامة، الوحدات المدمجة والأمن الوطني والمخابرات، الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، الأصول والديون، حقول النفط وإنتاجه وتصديره، العقود والبيئة في حقول النفط، المياه، الملكية، أي مسائل اخرى يتفق عليها الطرفان.[20]ولكن لسنا بصدد مناقشة هذه القضايا العشرة بل نسعى للتركيز على أهمها لنبرز إلى أي مدى هي معقده وتنبئ بمآلات خطيره على مستقبل الدولتين هذا في حالة إختيار الجنوبيين للإنفصال, هل سيكون الانفصال إذا حدث قانونياً ونزيهاً وسلمياًً يسمح بالتعايش وحسن الجوار فيما بعد ويجنب السودان العودة لمربع الحرب مرة أخرى؟ وسوف نجمل بعضها في الآتي:

الآثار الاقتصادية في حالة إختيار الجنوبيين الإنفصال

إن العامل الاقتصادي لا يقل أهمية عن السياسي إن لم يتفوق عليه في تعزيز خيارات الوحدة والانفصال في الدول، فالعديد من الدراسات أكدت أن الدول ذات المصادر المتنوعة والغنية تواجه خطر الحرب الأهلية بدرجة أكبر من الدول ذات المصادر الفقيرة. وبهذا فإن الوضع الاقتصادي في شمال السودان سوف يتأثر سلباً في حالة إختيار الجنوبيين الانفصال، بل يؤكد على ذلك الاقتصاديون الذين يرون أن الموازنة العامة سيحدث فيها عجز كبير. ويتوقعون أن جملة الفاقد الإيرادي حال إنفصال الجنوب يقدر بنحو (6,7) مليار دولار أي بنسبة 33% من الخزينة العامة. وسوف يؤدي إنفصال الجنوب إلى فقدان إيرادات البترول بنسبة 30% من الحقول المنتجة في الجنوب مما سيؤثر سلباً على النمو الإقتصادي في السودان، ذلك لأن حصيلة البترول تشكل (45%) من إيرادات الدولة، وهذا بالطبع سيؤدي إلى عجز في الموازنة العامة للدولة.

وفيما يختص بالقضايا المشتركة ومنها العملة على سبيل المثال فهنالك ثلاثة خيارات تجاه العملة (الجنيه) منها استمرار الدولتين التعامل به تحت إتحاد نقدي موحد وفق تنسيق السياسيات فيما بينهما لفترة أطول، والخيار الثاني هو إختيار إحدى الدولتين الجنيه والأخرى تبحث عن عملة جديدة، وهنا تختار الدولة الأم العملة الرئيسة  " الجنيه"، والخيار الثالث هو أن تتجه الدولتان لإختيار عملات جديدة غير العملة المتداولة، وهذا هو الخيار الصعب والمكلف.[21] وكذلك مسالة الديون الخارجية تتطلب أن تتفق الدولة الأم والدولة الوليدة على كيفية السداد وهذا ربما يولد خلافات حول توزيع نسب الديون بين الدولتين،  كما أن مسألة الحدود التي لم تحسم بعد لها مآلاتها على علاقات الجوار بين الدولتين.

الأضرار السياسية من الانفصال

في حالة إنحياز الجنوبيين للانفصال السلمي وفق قانون الاستفتاء؛ وإذا قدر لذلك أن يتم بشفافية ونزاهة، فإن هنالك مضار سياسية سوف تقع على الدولة الأم والدولة الوليدة. بالنسبة للدولة الأم سوف يتنازعها شعوران تجاه إنتمائها العربي والأفريقي، وستميل إلى العروبة أكثر من ذي قبل بسبب أنها ستكون أكثر عربية وإسلامية في مظهرها الخارجي، رغم عدم تلقيها للدعم العربي الكافي لتقوية وحدتها الوطنية. فالدول العربية  جميعها - لاسيما مصر- لم تقدم المساعدة الكافية للمحافظة على وحدة السودان وإن تفاوتت مواقفها؛ وبالتالي لم تعين السودان على تخطي المرحلة البالغة التعقيد التي يمر بها، وربما يكون لها مآلات خطيرة سوف تلقي بظلالها على بعض دول الجوار الأفريقي التي تمر بذات السقم والاحتقان. أما على المستوى الداخلي فإن قوة السودان الإقليمية ستضعف بفقدان جزء كبير من أراضيه، وبالتالي يتراجع ترتيباً بين الدولة الأفريقية من حيث المساحة وتوفر الموارد الطبيعية الغنية والمتنوعة، وهذا بالطبع له تأثير سلبي كبير على الكيان السياسي السوداني. بإنفصال الجنوب سيفقد السودان حوالي 400 الف ميل مربع من أراضيه أو ما يعادل ضعف مساحة ولاية تكساس الأمريكية.[22]

أما الدولة الوليدة في الجنوب فمن المتوقع أن تولد هشه أو منهاره أو فاشله، ذلك لأن الجنوب يفتقد إلى مقومات الدولة لإنعدام البنيات الأساسية والمؤسسات المدنية الحديثة، وضعف الموارد البشرية وتفشي القبلية بصورة صارخة، بجانب نسبة الأميه الكبيرة بين سكانه. وفوق هذا وذاك سيطرة الحركة الشعبية على مفاصل السلطة وعدم السماح للأحزاب السياسية الجنوبية لممارسة نشاطاتها السياسية بحرية تامه.

أما إذا تم إنفصال الجنوب في ظل انفلات أمني فإن ذلك سيؤدي إلى تداعيات سياسية؛ أبرزها زيادة وتيرة الإضطرابات السياسية في ولايات دارفور وربما شرق السودان. فلربما تغير الحركات المسلحة في دارفور استراتيجيتها نحو الوحده وتطالب بتقرير المصير، ومن ثم ينفتح الباب لولايات أخرى - مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق- للمطالبة بذات الحق من خلال آلية المشورة الشعبية التي قد تستغل سياسياً ضد الحكومة الاتحادية، وحينها سوف نتحدث عن سودانات وليس سودانين، وحينها ستكون الصورة قاتمة لمستقبل السودان الذي ربما تعمه الفوضى والانفلات الأمني والاضطربات السياسية.

مستقبل السودان ما بعد الاستفتاء

بالإضافة لما أوردناه سابقاً؛ فإن مستقبل السودان الذي نعنيه في هذه الورقه هو سودان ما بعد إنفصال الجنوب. ذلك لأن كافة معطيات الواقع السياسي ترجح خيار الإنفصال. فما هي أبرز التحديات والمشكلات التي تواجه الدولة السودانية نتيجة لذلك؟

إن أبرز التحديات تتمثل في قتامة مصير النازحيين من الجنوب إلى الشمال ما يصاحب ترحيلهم من تكاليف باهظة ومآسي إنسانية مفجعة ربما ستنجم بعد إنفصال الجنوب عن الشمال.  من جانب آخر فإن بناء معادلة جديدة في توزيع مياه النيل، بإضافة دولة جديدة تمثل الرقم إحدى عشر في دول حوض النيل، سيؤثر ذلك على تقليص حصص بعض الدول الأعضاء. وسيذهب 70% من بترول السودان الذي يتم تصديره للجنوب ويبقى فقط 30% منه للشمال وهي تكفي فقط للإستهلاك المحلي الأمر الذي سيؤثر سلباً على الموازنة العامة. وربما تندلع حرب جديدة بين الشمال والجنوب بسبب الخلاف حول ترسيم الحدود، ولذلك لا بد من ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب قبل أن يتم الشروع في عملية الاستفتاء، ذلك لأن ترسيم الحدود والخلاف حول مناطق معينه هما أكثر الأسباب إثارة للنزاعات. فإذا نظرنا إلى تقرير واقع النزاعات بين دول العالم الإسلامي على سبيل المثال؛ نجد أنه لا تزال 21 دوله اسلامية تعيش نزاعات بينية. وبالتالى لابد من حسم عملية ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب حتى لا تؤدي إلى نزاع واستنزاف للموارد بين الدولتين هذا إذا حدث الانفصال.[23] مع العلم بأن السودان من أكثر الدول في العالم التي تأثرت التنمية فيه بسبب النزاعات الداخلية، ذلك لكثرة إنفاقه على التسلح بالنظر إلى نسبة الانفاق العسكري من إجمالي الناتج القومي (  (GNPحيث أنفق ما يقارب 50% من إجمالي ناتجه القومي على التسلح.[24]

إن قرار هيئة التحكيم الدولية في لاهاي حول قضية ابيي له ما بعده؛ فدينكا أنقوك يتشككون في أن حقول البترول في هجليج قد أخذت منهم بغير وجه حق، بينما يزعم المسيرية أن الحدود الشمالية التي ضمت إلى أبيي قد توغلت كثيراً في مناطقهم وحرمتهم من الأراضي ذات المياه الوفيرة التي يعتمدون عليها في فصل الصيف لسقي حيواناتهم. هذا وأن الاختلاف ما زال قائماً حول من يحق له التصويت في الاستفتاء حول تبعية أبيي للشمال أم الجنوب وبالتالي فإن أبيي تمثل( قنبلة موقوته) في إتفاقية السلام الشامل. ولربما تسري عدوى إنفصال الجنوب إلى عدد من ولايات السودان الأخرى أبرزها ولايات دارفور التي من المتوقع أن تتغير مواقفها الاستراتيجية إذا لم تحل مشكلتها قبل استفتاء جنوب السودان وتطالب بصوت عالي أن يتم تقرير المصير لها. وعلى ضوء هذا فإن الاستفتاء لكي يكون شفافاً ونزيهاً من الأفضل أن يتم تحت رقابة دولية " وبدون التوصل إلى إتفاق جديد للنفط وترسيم الحدود بين الشمال والجنوب فإن إحتمالات العودة للصراع مرة اخرى تكون عالية جداً"25

معالجات الوضع الاقتصادي في الدولة الأم في حالة الانفصال:

إن الوضع الاقتصادي سيمثل تحدي كبير لبقاء السودان موحداً، وبالتالي نعتقد أن أهم  المعالجات الاقتصادية تنحصر في تفعيل الصادرات غير البترولية والاسراع بإكتشاف واستخراج النفط من الشمال. بالإضافة إلى  ترشيد الانفاق وتحديد الأولويات بدقة شديده وتوجيه الموارد المتاحة نحو الأولويات. وزيادة الضرائب والرسوم الجمركية دونما زيادة للاجور بنفس النسبة، ولكن ربما يؤدي هذا إلى زيادة العبء المعيشي على شرائح المجتمع الضعيفه والمتوسطه، وهذا بالطبع سيحدث إضرابات سياسية. كما يمكن الاعتماد على وسائل فعالة للتمويل مثل إصدار الصكوك والسندات والتسريع في إحداث التوازن الخدمي والتنموي بين جميع ولايات السودان مع الإهتمام الأكبر بقضايا جنوب كردفان والنيل الأزرق.

الخاتمة والتوصيات

إن قرار إنفصال الجنوب عن الشمال ليس قراراً تتخذه الحركة الشعبية فقط، إنما هنالك عناصر كثيره تتداخل في هذا الأمر من أهمها القوى السياسية الجنوبية، بجانب دول الجوار الأفريقي التي ليس من مصلحتها أن يختار الجنوب الانفصال؛ لأن ذلك - كما وضح - سيؤثر على بعض قوميات تلك الدول للمطالبة بالإنفصال أسوة بجنوب السودان، وهذا ما لم ترغبه هذه الدول. وإذا لعبت القوى السياسية السودانية المختلفة وبخاصة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية الأدوار المطلوبة لدعم الوحدة فإن هدف بقاء السودان موحداً  ليس بمستحيلاً، ولكن مسألة الوحدة الوطنية في ظل معطيات الواقع الحالي بعيدة المنال وتحتاج إلى جهود خارقة من أجل تحقيقها، ولكن إذا نظرنا إلى البعد الاقليمي والعالمي ومواقف دول الجوار السوداني والولايات المتحدة من الوحدة أو الإنفصال, مما لا شك فيه فإن الجنوب يتجه نحو الانفصال وليس الوحدة. وبالتالي فإن التفكير للحكومة السودانية يجب أن ينصب بشكل أساسي على أهمية أن يجرى الاستفتاء في بيئة صالحة تجعله سلسلاً وحراً ونزيهاً تحت مراقبة دولية، كما أنه من الأفضل حسم قضايا ترسيم الحدود والنفط وحركة القبائل المشتركه قبل الشروع في عملية الاستفتاء التي دون حسم هذه القضايا ربما يعود السودان مرة أخرى إلى دائرة الحرب.



[1] بكالريوس مرتبة  الشرف في العلوم السياسية - جامعة الخرطوم ، دبلوم عالي في الحكم، الديمقراطية والسياسة العامة - جامعة روتردام - هولندا ماجستير العلوم السياسية - جامعة الخرطوم، دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية- جامعة الخرطوم، الزمالة البحثية- مدرسة السياسة والعلاقات الدولية - جامعة كنت - بريطانيا، يعمل الباحث  استاذاً مساعداً فى العلوم السياسية، جامعة الخرطوم.



[2] Mohamed Omer Bashir, The Southern Sudan from Conflict to Peace, Britain 1983, p.404

[3] لام أكول أجاوين، برنامج مرافعات، الفضائية السودانية، 1/7/2010م

[4] اتفاقية الخرطوم للسلام، 1998م.

[5] الدستور الانتقالي لجمهورية السودان، الباب السادس عشر، 2005م.

[6] قانون استفتاء جنوب السودان للعام 2009م، المجلس الوطني، أمدرمان

[7] عزو محمد عبد القادر، مفهوم الوحدة الوطنية قديماً وحديثاً، www. Ahewar.org/debate/show.art

[8] خطاب السيد رئيس الجمهورية في مؤتمر مجلس الشورى لحزب المؤتمر الوطني المنعقد بالمركز العام للحزب يوم  السبت  الموافق 5 يونيو 2010م

[9] أ. د ديفيد ديشان، رئيس الجبهة الديمقراطية لجنوب السودان، مناقشة قضية ساخنة تحت عنوان: الوحدة دعوة والتزام، مقابلة في الفضائية السودانية، 13/6/2010م.

[10] الإمام/ الصادق المهدي، القضية ليست الوحدة أو الإنفصال بل السلام أو الحرب، مقال منشور في جريدة الصحافة، العدد (6075) الأربعاء 9 يونيو 2010

[11] التقرير الاستراتيجي الاستشرافي الأول،مستقبل السودان في ظل تقرير المصير للجنوب، مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية، السنة الأولى، العدد الأول، 2010م

[12] الدرديري محمد أحمد، تحديات الاستفتاء حول تقرير المصير، مجلس شورى المؤتمر الوطني، دورة الانعقاد الأولى، 5 يونيو 2010م

[13] باقان اموم، الأمين العام للحركة الشعبية، تصريح في امريكا بعد حضوره جلسة مجلس الأمن، 20/6/2010م.

[14]السابق نفسه.  المصدر

[15] استطلاع أجري مع د. الطيب زين العابدين، صحيفة الرائد، العدد(659) ، 14 يونيو 2010م.

[16] مقابلة مع دكتور/ مصطفى علوي سيف، عضو لجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم بمصر، مناقشة قضية فرضية الانفصال وهواجس الشمال، قناة الجزيرة، 20/6/2010م.

[17] مقابلة مع الدكتور حسن الحاج على، أستاذ العلاقات الدولية بقسم العلوم السياسية، وعميد كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، جامعة الخرطوم، تمت المقابلة بمكتبه يوم الأربعاء الموافق 26/5/2010م

[18] واشنطن- رويترز، 26/3/2010م

[19] مصدر سبق ذكره.

[20] قانون استفتاء جنوب السودان لسنة 2009م

[21] د. صابر محمد حسن ، محافظ بنك السودان، ندوة الأوضاع الأقتصادية في السودان في حال الإنفصال، ، دائرة الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية،  قاعة وزراة العلوم والتقانة، 9/6/2010م

[22] David de Chand, South Sudan Claims for Right of Self-Determination, African Studies Center, University of Pennsylvania, 6, August, 1995.

[23] د. صالح يحي الشاعري، تسوية النزاعات الدولية سلمياً، مكتبة مدبولي ، القاهره، جمهورية مصر العربية، 2006م، ص421- ص422

[24] المصدر نفسه، ص422

24. إنصاف العوض, قراءة ملفات ما بعد الاستفتاء ، صحيفة آخر لحظة، الأحد الموافق، 18/7/2010م.